مع تصاعد الضغوط على النظام الفنزويلي، برزت نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز كشخصية محورية في المشاورات الأخيرة بين واشنطن وشركات النفط، والمحامين، والمستثمرين. ويأتي هذا الاهتمام المتزايد برودريغيز على خلفية البحث عن بديل عملي لقيادة البلاد في فترة انتقالية، مع التركيز على استقرار قطاع النفط الفنزويلي الحيوي. حيث يرى العديد من الأطراف المعنية أن رودريغيز، بخبرتها السابقة كوزيرة للنفط، هي الأقدر على معالجة الأزمة الاقتصادية الحادة وإعادة إحياء الإنتاج النفطي.
أصبح مستقبل فنزويلا، الغني بالنفط، محور نقاش مكثف في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفي الكونغرس. ودفع هذا الاهتمام بعدد من القياديين في صناعة الطاقة إلى طرح رؤيتهم حول كيفية التعامل مع المرحلة ما بعد مادورو، معتبرين أن رودريغيز تمثل خياراً واقعياً أكثر من غيرها لضمان استمرار تدفق النفط وتجنب المزيد من الاضطرابات.
التركيز على استقرار النفط الفنزويلي
تستند فكرة تفضيل رودريغيز إلى قدرتها المفترضة على الحفاظ على قدر من الاستمرارية في قطاع النفط، وهو أمر يعتبره مسؤولون أميركيون بالغ الأهمية لتجنب سيناريو مشابه لما حدث في العراق بعد الإطاحة بصدام حسين. فالحفاظ على البنية التحتية النفطية وتجنب انهيار الإنتاج يمثلان أولوية قصوى، بغض النظر عن التغييرات السياسية الجارية. بالإضافة إلى ذلك، فإن معرفة رودريغيز العميقة بتفاصيل قطاع النفط وشبكة علاقاتها الواسعة داخل الحكومة تعتبر ميزة إضافية.
في حين أن كبرى شركات النفط الأميركية ما زالت تدرس بعناية كيفية التفاعل مع أي حكومة جديدة في فنزويلا، إلا أن هناك اهتماماً متزايداً من قبل شركات أخرى تعمل في البلاد منذ سنوات، والتي لديها قنوات اتصال مباشرة مع البيت الأبيض والكابيتول هيل. وقد أكدت شركة “شيفرون” (Chevron)، وهي الشركة الأميركية الوحيدة المرخص لها بالعمل في فنزويلا، أنها لم تشارك في مناقشات مباشرة حول مستقبل الحكم في البلاد.
تأييد ترمب ودعوات للتصالح
أبدى الرئيس ترمب نفسه تأييداً صريحاً لرودريغيز لقيادة فنزويلا في المرحلة الراهنة، معتبراً أن زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو تفتقر إلى “الاحترام” اللازم لتولي هذا المنصب. وقد أثار هذا التصريح موجة من الصدمة والانتقادات من قبل المعارضة الفنزويلية ومؤيديها الدوليين.
من جانبه، صرح وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو بأن الولايات المتحدة ستركز على تقييم أفعال رودريغيز، وليس فقط أقوالها، مع التأكيد على استخدام العقوبات والضغط العسكري لتحقيق الأهداف السياسية الأميركية. هذا الموقف يعكس حذر واشنطن ورغبتها في التأكد من أن أي تغيير في القيادة الفنزويلية سيؤدي إلى نتائج إيجابية على صعيد استقرار النفط وحماية المصالح الأميركية.
رهان الطاقة العالمي والانتقال السياسي
يرى خبراء الطاقة أن استقرار فنزويلا وإعادة إحياء قطاعها النفطي يمكن أن يؤدي إلى “إعادة تشكيل منظومة الطاقة العالمية بأكملها”، نظراً لاحتياطيات النفط الهائلة التي تمتلكها البلاد. وهذا ما يدفع شركات النفط إلى الضغط من أجل تخفيف سريع للعقوبات، بما يسمح لرودريغيز ببدء تنفيذ خطط عملية لتحسين الإنتاج.
في نهاية ديسمبر الماضي، بدأت فنزويلا في إغلاق بعض آبار النفط بسبب نقص مساحات التخزين، مما يهدد بتفاقم الأزمة الاقتصادية وتقويض سلطة الحكومة الجديدة. لذلك، يعتبر البدء الفوري في معالجة هذه المشكلة أمراً ضرورياً لنجاح أي عملية انتقال سياسي.
حتى الآن، يبدو أن رودريغيز تسعى إلى ترسيخ سلطتها، حيث أدت اليمين الدستورية يوم الاثنين بصفتها رئيسة مؤقتة، ودعت إلى عودة مادورو، واصفة اعتقاله بأنه “اختطاف”. لكنها سرعان ما اتجهت إلى لهجة أكثر تصالحاً، داعية الولايات المتحدة إلى التعاون من أجل التنمية المتبادلة.
الخلفية السياسية والشبكة الدولية
تتمتع رودريغيز بسيرة سياسية طويلة بدأت خلال عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز. وشغلت مناصب وزارية هامة، بما في ذلك وزارة الخارجية، مما ساهم في بناء شبكة واسعة من العلاقات الدولية، خاصة مع روسيا والصين. وتولي رودريغيز اهتماماً خاصاً بتطوير قطاع النفط الفنزويلي، وتسعى إلى مكافحة الفساد وزيادة الشفافية.
بالإضافة إلى “شيفرون”، قد تستفيد شركات أخرى مثل “كونوكو فيليبس” (ConocoPhillips) و”شل” (Shell Plc) و”ريبسول” (Repsol SA) و”إيني” (Eni SpA) و”موريل إيه بروم” (Maurel et Prom SA) من استقرار قطاع النفط في فنزويلا. وستعتمد هذه الشركات على قدرة الحكومة الجديدة على إيجاد حلول لتسوية الديون والمطالبات المالية العالقة.
من المتوقع أن تشهد فنزويلا في الأشهر القادمة تطورات سياسية واقتصادية حاسمة. وسيتوقف مستقبل البلاد على قدرة رودريغيز على إقناع واشنطن بأنها قادرة على إدارة قطاع النفط بشكل فعال وتلبية المطالب الأميركية. كما سيتوقف على قدرتها على كسب ثقة المستثمرين والشركات النفطية، والتعامل مع التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه البلاد. يبقى الوضع في فنزويلا غير مؤكد، ويتطلب مراقبة دقيقة لجميع التطورات.
