أصبحت الولايات المتحدة لاعباً مهيمناً في سوق النفط العالمي، وذلك بفضل تزايد إنتاجها من النفط، بالإضافة إلى تأثيرها المتزايد على دول أخرى في الأمريكتين، وهو ما يشار إليه بـ “مبدأ دونرو”. تملك هذه الدول مجتمعةً حصة تقدر بنحو 40% من إجمالي إنتاج النفط العالمي، مما يمنح واشنطن نفوذاً اقتصادياً وجيوسياسياً كبيراً. هذا النفوذ المتزايد يثير تساؤلات حول مستقبل أسعار النفط والاستراتيجيات الجيوسياسية للدول الأخرى المنتجة.
تأتي هذه التطورات في أعقاب الأحداث الأخيرة في فنزويلا، حيث أدت التغييرات السياسية إلى تغييرات محتملة في سيطرة الولايات المتحدة على احتياطيات النفط الفنزويلية الهائلة. يُنظر إلى هذه التطورات على أنها فرصة للرئيس ترمب لتوسيع نفوذه في قطاع الطاقة العالمي، وربما إعادة تشكيل التحالفات الجيوسياسية القائمة.
سيطرة أمريكا على النفط: ظهور “مبدأ دونرو”
لا يتعلق الأمر فقط بالاحتياطيات النفطية الكبيرة، بل أيضاً بالقدرة على التأثير في الإنتاج والأسعار. شهدت الولايات المتحدة زيادة كبيرة في إنتاجها من النفط الصخري، مما جعلها أقل اعتماداً على الدول الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، فإن موقعها الجغرافي وسيطرتها على دول أخرى منتجة للنفط في الأمريكتين يمنحانها ميزة استراتيجية كبيرة.
وقد صرح أوليغ ديريباسكا، رجل الأعمال الروسي الخاضع للعقوبات، بأن الولايات المتحدة ستكون قادرة على الحفاظ على سعر النفط بالقرب من 50 دولاراً للبرميل. في المقابل، يرى كيريل ديميترييف، مبعوث الكرملين، أن السيطرة على فنزويلا تمنح واشنطن نفوذاً هائلاً على سوق الطاقة العالمية.
تأثيرات على السياسة الخارجية الأمريكية
هذه السيطرة على النفط تغير قواعد اللعبة في السياسة الخارجية الأمريكية. على مدى عقود، كانت القرارات العسكرية الأمريكية مقيدة بتأثير الحروب على أسعار الطاقة. ومع ذلك، فإن السيطرة على جزء كبير من إمدادات النفط العالمية تمكن الولايات المتحدة من اتخاذ خطوات أكثر جرأة، مثل قصف المنشآت النووية الإيرانية ودعم أوكرانيا في استهداف مصافي النفط الروسية.
يعتقد البعض أن واشنطن تسعى إلى نظام ما بعد مادورو في فنزويلا، من خلال دعم ديلسي رودريغيز لتولي السلطة مؤقتاً. هذا الأسلوب يمكن أن يلبي احتياجات شركات النفط الأمريكية، حيث أظهرت رودريغيز استعداداً لتطبيق بعض مبادئ السوق.
الوضع في فنزويلا ومستقبل إنتاج النفط
تُمثل فنزويلا، على الرغم من انخفاض إنتاجها الحالي إلى حوالي مليون برميل يومياً، مكسباً هائلاً لأمريكا. ويرجع ذلك إلى قدرتها على إعادة الإنتاج إلى مستويات سابقة وصلت إلى أكثر من 3.7 مليون برميل يومياً. تتمتع فنزويلا بالموارد الجيولوجية، ولكنها تحتاج إلى استثمارات ورأس مال لتعزيز إنتاجها.
صحيح أن زيادة إنتاج النفط الفنزويلي لن تحدث في المدى القصير. ومع ذلك، إذا تحسنت الظروف السياسية والاقتصادية، فقد تستعيد فنزويلا مكانتها كمنتج رئيسي للنفط بحلول أوائل ثلاثينيات القرن الحالي. وقد أعلنت الولايات المتحدة عن استعدادها للاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي وإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة.
النفط الفنزويلي ليس فقط فرصة لزيادة الإمدادات العالمية، ولكنه أيضاً ورقة مساومة قوية في يد الولايات المتحدة. فمع وجود احتياطيات كبيرة في الأمريكتين، قد لا تحتاج واشنطن إلى الاعتماد على حقول النفط في سيبيريا أو دول أخرى.
تحديث “مبدأ مونرو” في القرن الحادي والعشرين
يمثل السيناريو الحالي تحديثاً لـ “مبدأ مونرو” الذي أعلنه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو في القرن التاسع عشر، والذي يهدف إلى تأكيد نفوذ الولايات المتحدة في الأمريكتين. الآن، يتجاوز هذا النفوذ السياسة ليشمل السيطرة على الموارد الطبيعية، خاصة النفط.
سياسات الطاقة الأمريكية باتت جزءاً لا يتجزأ من استراتيجيتها الجيوسياسية، مما يسمح لها بالتحرك بحرية أكبر على الساحة الدولية. يتوقع خبراء الطاقة أن تستمر الولايات المتحدة في تعزيز نفوذها في قطاع النفط العالمي، وتوسيع شراكاتها مع الدول المنتجة في الأمريكتين.
من المتوقع أن تشهد الأشهر المقبلة مزيدًا من التطورات في فنزويلا، بما في ذلك المفاوضات بين الولايات المتحدة والحكومة الجديدة بشأن الاستثمارات في قطاع النفط. يجب مراقبة تطورات هذا الوضع عن كثب، بالإضافة إلى ردود أفعال الدول الأخرى المنتجة للنفط، مثل روسيا والمملكة العربية السعودية، على النفوذ المتزايد للولايات المتحدة في سوق الطاقة العالمية. كما يجب متابعة تطورات إنتاج النفط في البرازيل وغيانا وكولومبيا، حيث يمكن أن تساهم هذه الدول في زيادة المعروض العالمي من النفط.
