شهدت أسعار الفضة تقلبات حادة وملفتة للنظر في الأيام الأخيرة، مدفوعةً بشكل كبير بالاهتمام المتزايد من المستثمرين، خاصة في الصين. وقد لفت انتباه الأسواق العالمية الارتفاع القوي للمعدن، حتى أن شخصيات مؤثرة مثل إيلون ماسك سلطت الضوء على هذه التحركات الاستثنائية. هذا التذبذب يثير تساؤلات حول مستقبل هذا المعدن الثمين في الأسواق.

في بداية الأسبوع، ارتفعت أسعار الفضة إلى مستوى قياسي تجاوز 84 دولارًا للأونصة، ثم تراجعت بشكل حاد وسريع إلى ما يقرب من 70 دولارًا للأونصة في تداولات محدودة بعد عطلة نهاية الأسبوع. هذا الانعكاس السعري الكبير يعكس حالة من الحذر والقلق بين المتداولين، إلا أن الأسعار لا تزال مرتفعة بأكثر من 150% منذ بداية العام.

ارتفاع أسعار الفضة: نظرة على المحركات الرئيسية

يمكن إرجاع الارتفاع الكبير في أسعار الفضة إلى عدة عوامل متضافرة. أحد أهم هذه العوامل هو الإقبال القوي من المستثمرين الصينيين، الذين اندفعوا لشراء المعدن النفيس، مما يعكس ديناميكيات مشابهة لتلك التي شهدها سوق البلاتين في وقت سابق. وقد ساهم ذلك في ارتفاع العلاوات السعرية في بورصة شنغهاي للذهب إلى مستويات قياسية.

أدى هذا الارتفاع الحاد في الطلب إلى اتخاذ صندوق الفضة الصيني الوحيد المتخصص إجراءً غير مسبوق، وهو إغلاق باب الاكتتاب أمام مستثمرين جدد، بعد تجاهل المستثمرين المتكرر للتحذيرات بشأن المخاطر المرتبطة بالاستثمار في الفضة. وأشار مدير الصندوق إلى أن إجراءات كبح جماح الإقبال، بما في ذلك تشديد قواعد التداول، لم تنجح في منع موجة الشراء التي تغذيها وسائل التواصل الاجتماعي.

تدفقات رؤوس الأموال إلى صناديق الفضة المتداولة

بالإضافة إلى ذلك، شهدت صناديق الفضة المتداولة المدعومة بالمعادن الفعلية زيادة كبيرة في حيازاتها هذا العام بأكثر من 150 مليون أونصة. وعلى الرغم من أن هذه الكميات لا تزال أقل من الذروة التي سجلتها خلال عام 2021، إلا أنها ساهمت بشكل كبير في تقليل المعروض المتاح من الفضة في السوق، وهو ما فاقم من الضغط الصعودي على الأسعار. وتشير بيانات بلومبرغ إلى أن الحيازات في هذه الصناديق زادت شهريًا باستثناء شهر واحد هذا العام.

تحذيرات فنية ومخاطر متزايدة

تراقب الأسواق أيضًا المؤشرات الفنية التي قد تشير إلى اتجاهات مستقبلية. فقد ارتفعت أسعار الفضة بأكثر من 25% خلال شهر ديسمبر وحده، مما دفع بعض المحللين إلى التحذير من أنها قد تكون قد ارتفعت بسرعة كبيرة. ويشير مؤشر القوة النسبية (RSI) – الذي يقيس زخم الشراء والبيع – إلى أن الأسعار قد تكون وصلت إلى منطقة التشبع الشرائي، مما يزيد من احتمالية حدوث تصحيح أو تراجع.

ومع استمرار التقلبات، اتخذت بورصة CME إجراءات لتقليل المخاطر، حيث أعلنت عن زيادة هوامش بعض عقود الفضة المستقبلية في بورصة كومكس. يهدف هذا الإجراء إلى زيادة السيولة المطلوبة للمتداولين للحفاظ على مراكزهم المفتوحة، مما قد يدفع بعض المضاربين إلى تقليل أو إغلاق مراكزهم وبالتالي زيادة الضغط على الأسعار.

الخيارات والمضاربة

يشير ارتفاع الطلب على عقود الشراء (Call options) المتعلقة بالفضة، سواء على العقود الآجلة أو الصناديق المتداولة، إلى زيادة المضاربة على صعود الأسعار. هذه العقود توفر للمستثمرين وسيلة منخفضة التكلفة نسبيًا للاستفادة من ارتفاع الأسعار المحتمل. فبالنسبة لصندوق iShares Silver Trust، بلغ حجم التداول على عقود الشراء أعلى مستوياته منذ عام 2021 الأسبوع الماضي، كما ارتفعت تكلفة شراء هذه العقود مقارنة بعقود البيع (Put options) إلى مستويات تاريخية.

بالإضافة إلى ذلك، تترقب الأسواق نتائج تحقيق أميركي بموجب المادة 232 بشأن المعادن الحيوية، والذي قد يؤدي إلى فرض رسوم أو قيود تجارية على الفضة.

بشكل عام، شهدت المعادن النفيسة طفرة في الطلب الاستثماري هذا العام مدفوعةً بعدة عوامل، بما في ذلك ضعف الدولار الأميركي، والتغيرات في السياسات التجارية العالمية، والمخاوف بشأن استقلالية البنوك المركزية. كما أن الذهب قد شهد صعودًا قويًا، مدعومًا بمشتريات كبيرة من البنوك المركزية. ويرى بعض المراقبين أن الفضة غالبًا ما تتبع خطوات الذهب في الاتجاه نفسه، ولكن بوتيرة أبطأ، وهو ما حدث بالفعل هذا العام.

في الختام، من المتوقع أن يستمر سوق الفضة في التذبذب على المدى القصير، في ظل حالة عدم اليقين السائدة وتأثير العوامل المختلفة التي ذكرت. ينبغي على المستثمرين مراقبة نتائج تحقيق وزارة التجارة الأمريكية بشأن المعادن الاستراتيجية، وتطورات الأوضاع في الصين، بالإضافة إلى المؤشرات الفنية، لتقييم المخاطر والفرص المحتملة في هذا السوق المتقلب. من الضروري التذكير بأن أسعار المعادن الثمينة تتأثر بعوامل عالمية متغيرة باستمرار، مما يجعل التنبؤ بدقة بمسارها المستقبلي أمرًا صعبًا.

شاركها.