تشهد كوريا الجنوبية تحولاً اقتصادياً كبيراً، حيث أصبحت أشباه الموصلات محركاً رئيسياً للنمو، متجاوزة الصناعات التقليدية. وقد أظهرت بيانات حديثة صعوداً ملحوظاً في صادرات هذا القطاع الحيوي، مما يعكس مكانة البلاد المتنامية في السوق العالمية للتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي. هذا التطور يضع كوريا الجنوبية في موقع تنافسي قوي مع الولايات المتحدة وتايوان.
صعود قطاع أشباه الموصلات: رقم قياسي في الصادرات
سجل قطاع أشباه الموصلات الكوري الجنوبي أداءً استثنائياً في عام 2025، حيث ارتفعت الصادرات بنسبة 22.2% على أساس سنوي، لتصل إلى 173.4 مليار دولار. ويعزى هذا النمو القوي إلى الطلب العالمي المتزايد على رقائق الذاكرة المتقدمة والمعالجات المستخدمة في تطبيقات متنوعة مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والسيارات الكهربائية، والروبوتات. أظهر شهر ديسمبر وحده قفزة ملحوظة بنسبة 43.2% في مبيعات أشباه الموصلات، مما يعكس استمرار هذا الزخم.
أداء الصادرات الكلي في 2025
بفضل قوة قطاع التكنولوجيا، حققت الصادرات الكورية الجنوبية الإجمالية رقماً قياسياً جديداً في عام 2025، بلغ 709.7 مليار دولار. هذا الإنجاز يمثل أول مرة تتجاوز فيها البلاد حاجز الـ700 مليار دولار في الصادرات السنوية، بنمو إجمالي قدره 3.8% مقارنة بالعام السابق. وتشير التقارير إلى أن هذا النمو يعكس تحولاً استراتيجياً في الاقتصاد الكوري.
من “مصنع العالم” إلى قوة تكنولوجية عالمية
يمثل هذا الأداء ليس مجرد انتعاش مؤقت، بل تحولاً هيكلياً في الهوية الاقتصادية لكوريا الجنوبية. فقد تجاوزت البلاد نموذج “مصنع العالم” التقليدي، وأصبحت لاعباً رئيسياً في تصميم وتصنيع الرقائق المتقدمة، وخاصةً ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية (DRAM) وذاكرة الفلاش NAND.
تتنافس شركات كورية جنوبية رائدة مثل Samsung Electronics وSK Hynix بقوة مع الشركات الأمريكية والتايوانية في سباق تطوير رقائق الذكاء الاصطناعي. وتسعى هذه الشركات إلى تعزيز مكانتها في سلاسل القيمة العالمية، والسيطرة على التكنولوجيا الأساسية في هذا المجال الحيوي. أشباه الموصلات أصبحت الآن أكثر من مجرد سلعة؛ إنها عنصر أساسي في الأمن الاقتصادي والتقدم التكنولوجي لكوريا الجنوبية.
تغيرات في الخريطة الجغرافية للتجارة
لم يقتصر التحول على نوعية المنتجات فحسب، بل امتد ليشمل الأسواق الجغرافية. فقد شهدت الصادرات إلى دول رابطة أمم جنوب شرق آسيا (آسيان) والاتحاد الأوروبي نمواً ملحوظاً، بنسبة 7.4% و 3% على التوالي.
في المقابل، انخفضت الصادرات إلى الصين بنسبة 1.7% وإلى الولايات المتحدة بنسبة 3.8%. يعزى هذا التراجع إلى عوامل مثل الرسوم الجمركية الجديدة والتوترات التجارية العالمية. وتعكس هذه التغييرات استراتيجية كورية جنوبية تهدف إلى تنويع الأسواق وتقليل الاعتماد على دولة واحدة. الاستثمار في أشباه الموصلات هو جزء أساسي من هذه الاستراتيجية.
الرؤية المستقبلية: الريادة في تكنولوجيا الرقائق المتقدمة
تستهدف كوريا الجنوبية أن تصبح القوة المهيمنة في مجال رقائق الذاكرة المتقدمة عالية النطاق الترددي (HBM) واللاعب الرئيسي في تكنولوجيا الرقائق التي تقل عن 3 نانومتر. وتدعم الحكومة الكورية الجنوبية هذا الهدف من خلال استثمارات ضخمة وحوافز للشركات المحلية.
تهدف هذه الاستثمارات إلى تعزيز القدرات البحثية والتطويرية، وزيادة الإنتاجية، وتأمين سلاسل التوريد. قطاع أشباه الموصلات يواجه تحديات مستمرة، بما في ذلك المنافسة الشديدة والتقلبات في الطلب العالمي، ولكن كوريا الجنوبية تبدو مصممة على التغلب على هذه التحديات والحفاظ على مكانتها الرائدة.
في المستقبل القريب، من المتوقع أن تشهد كوريا الجنوبية المزيد من الاستثمارات في هذا القطاع، مع التركيز على تطوير تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير (XAI) والحوسبة الكمومية. وستراقب الأسواق عن كثب التقدم الذي تحرزه الشركات الكورية في تطوير رقائق الجيل التالي، وقدرتها على مواجهة المنافسة المتزايدة من الشركات الأخرى في جميع أنحاء العالم.
