شهد النشاط الصناعي في الصين انتعاشًا مفاجئًا في ديسمبر، مسجلاً نموًا بعد ثمانية أشهر متتالية من الانكماش. هذا الارتفاع في النشاط الصناعي، مدفوعًا بالاستعداد للعطلات وزيادة الطلب المحلي، يأتي في وقت تسعى فيه الحكومة الصينية لتحفيز هذا القطاع الحيوي دون تعميق المخاوف المتعلقة بالانكماش الاقتصادي.
أظهر مسح رسمي صادر عن مكتب الإحصاءات الوطني الصيني يوم الأربعاء ارتفاع مؤشر مديري المشتريات (PMI) إلى 50.1 في ديسمبر، مقارنة بـ 49.2 في نوفمبر. تجاوز هذا الرقم بشكل طفيف التوقعات التي أشارت إليها استطلاعات رويترز، والتي كانت عند 49.2، وبذلك يكون المؤشر قد تخطى حاجز الـ 50 الذي يفصل بين النمو والانكماش.
ارتفاع مؤشرات الإنتاج والطلبيات الجديدة في القطاع الصناعي
سجل مؤشر الإنتاج الفرعي قفزة ملحوظة، حيث ارتفع إلى 51.7 من 50.0 في الشهر السابق. كما أظهرت البيانات زيادة في الطلبيات الجديدة، حيث بلغت 50.8 مقارنة بـ 49.2 في نوفمبر، وهو أقوى أداء لها منذ شهر مارس. هذا التحسن يعكس تراكم المخزون تحسباً لفترة العطلات، خاصة مع اقتراب الاحتفالات بالعام القمري الجديد.
بالإضافة إلى ذلك، شهدت أوقات تسليم الموردين تحسناً ملحوظاً، مما ساهم في ارتفاع مكون توقعات الإنتاج والنشاط إلى أعلى مستوى له منذ مارس 2024، عند 55.5. إلا أن الطلب على الصادرات الجديدة ظل ضعيفًا، مسجلاً 49.0 مقابل 47.6 في نوفمبر. هذا يؤكد على أهمية تعزيز الطلب الداخلي وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية، خاصةً في ظل الرسوم الجمركية المفروضة من قبل الولايات المتحدة.
الثقة تتزايد مع اقتراب العام القمري الجديد
أشار هو ليهوي، إحصائي في مكتب الإحصاءات الوطني، إلى أن ارتفاع الثقة يعزى إلى هذا التراكم في المخزون استعدادًا للعام القمري الجديد. وقالت البيانات أن القطاعات المتعلقة بالزراعة وتجهيز الأغذية والمشروبات شهدت نشاطاً ملحوظاً. كما أظهر مسح خاص للقطاع الخاص نموًا مماثلاً، مدفوعًا بزيادة الإنتاج والطلب المحلي، على الرغم من انخفاض الطلب الأجنبي.
تحديات اقتصادية مستمرة
ومع ذلك، يحذر خبراء الاقتصاد من أن زيادة الإنتاج الصناعي دون اتخاذ خطوات موازية لتحفيز الاستهلاك قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط الانكماشية. فقد أظهرت بيانات أخرى انخفاض أرباح الشركات الصناعية الصينية بنسبة 13.1% على أساس سنوي في نوفمبر، وهو أكبر تراجع منذ أكثر من عام. هذا يشير إلى ضعف قدرة الأسر على تعويض انخفاض الطلب الخارجي، خاصةً مع تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.
القطاع غير الصناعي والتحول الاقتصادي في الصين
سجل مؤشر القطاع غير الصناعي الرسمي، الذي يشمل الخدمات والبناء، 50.2 بعد أن شهد انكماشًا في نوفمبر، وهو أول انكماش له منذ حوالي ثلاث سنوات. تعترف الحكومة الصينية بالحاجة إلى إعادة توازن الاقتصاد والتحول بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الصادرات. وقد أشارت وثيقة رسمية صادرة عن “مؤتمر العمل الاقتصادي المركزي” إلى وجود “فجوة متزايدة بين العرض القوي والطلب الضعيف داخل البلاد”.
وفي هذا السياق، شدد الرئيس شي جين بينغ في مقال نشرته مجلة الحزب الرسمية على أن “الاستهلاك هو المحرك المستدام للنمو الاقتصادي”، مشيراً أيضًا إلى وجود فائض في القدرة الإنتاجية. وقد اتخذت السلطات الصينية خطوات للحد من المنافسة الشديدة وتقليص الإنتاج في بعض القطاعات، بهدف معالجة هذه المشكلات الهيكلية.
بشكل عام، سجل مؤشر مديري المشتريات المركب، الذي يغطي كل من القطاعين الصناعي وغير الصناعي، 50.7 في ديسمبر، مقارنة بـ 49.7 في نوفمبر. هذا التحسن الطفيف يعكس بداية محتملة للتعافي، لكن مدى استدامة هذا التعافي لا يزال غير واضحًا. يتوقع المحللون أن يشهد الاقتصاد الصيني تحديات مستمرة في عام 2024، خاصةً فيما يتعلق بقطاع العقارات والطلب الضعيف. تابعوا عن كثب بيانات التضخم والنمو الاقتصادي الصادرة في الأشهر القادمة لتقييم المسار المستقبلي للاقتصاد الصيني. كما أن القرارات المتعلقة بالسياسات النقدية والمالية ستكون حاسمة في تحديد مدى قدرة الصين على تحقيق نمو اقتصادي مستدام.
(رويترز)
