أعرب كبار المستثمرين في شمال أوروبا عن قلقهم المتزايد بشأن المخاطر المرتبطة بالاحتفاظ بالأصول الأمريكية، وذلك في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتدهور الأوضاع المالية العامة في الولايات المتحدة. هذا التحول في وجهة النظر، الذي كشف عنه رؤساء صناديق التقاعد لوكالة رويترز، يشير إلى اتجاه أوسع نحو تقليل الاعتماد على أكبر سوق مالي في العالم، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الدولار.
وتأتي هذه المخاوف من مستشارين استثماريين رفيعي المستوى وثلاثة صناديق تقاعد رئيسية بالإضافة إلى هيئة صناعية بارزة. ويرجع جزء من هذا القلق إلى ارتفاع “علاوة المخاطر” المرتبطة بالاستثمار في الأصول الأمريكية، وهو ما يعكس تقييمًا متزايدًا للاحتمالات السلبية المحتملة.
تزايد القلق بشأن مستقبل الدولار والأصول الأمريكية
أكد قادة صناعة التقاعد وكبار المسؤولين الاستثماريين من فنلندا والسويد والدنمارك أن حالة عدم اليقين المحيطة بالسياسة الخارجية الأمريكية، بالإضافة إلى مستويات الديون المتزايدة في الولايات المتحدة، تشكل تهديدًا حقيقيًا لاستقرار الدولار وسندات الخزانة الأمريكية والأسهم. وتعتبر منطقة شمال أوروبا مركزًا لبعض أكبر صناديق التقاعد في أوروبا من حيث حجم الأصول المُدارة.
وقد اتخذت بعض الصناديق خطوات ملموسة بالفعل، حيث أعلنت كل من أليكتا السويدية وأكاديميكربنشن الدنماركية عن بيع أو التخطيط لبيع جزء من ممتلكاتهما من سندات الخزانة الأمريكية. على الرغم من أن هذه الصناديق أكدت أن قراراتها ليست مرتبطة بشكل مباشر بالأحداث السياسية الأخيرة، إلا أن الجدل الدائر حول طموحات الرئيس الأمريكي السابقة بشأن غرينلاند أثار مخاوف بشأن إمكانية رد أوروبا بسياسات حمائية مالية.
مناقشات واسعة النطاق حول التنويع
أفادت شركة راسل للاستثمارات، التي تقدم الاستشارات لخطط التقاعد وتدير أصولاً تقدر بـ 1.6 تريليون دولار، بأنها تجري مناقشات مكثفة مع عملائها حول إمكانية تقليل تعرضهم للأصول الأمريكية. وذكر فان لوو، الرئيس العالمي لاستراتيجية حلول الدخل الثابت والعملات الأجنبية في الشركة، أن حوالي 50% من العملاء يفكرون بجدية في اتخاذ إجراءات بهذا الخصوص، خاصةً أولئك الموجودين في شمال أوروبا، بما في ذلك الدول الاسكندنافية وهولندا.
التحول التدريجي في الاستراتيجيات الاستثمارية
ومع ذلك، من المهم ملاحظة أن التحولات في تخصيص الأصول طويلة الأجل عادةً ما تستغرق وقتًا لتظهر. ولا تزال الولايات المتحدة سوقًا جاذبة بفضل اقتصادها القوي وأسواقها المالية العميقة، حيث تتداول الأسهم الأمريكية بالقرب من مستويات قياسية. الاستثمار في الولايات المتحدة لا يزال خيارًا مطروحًا، لكن مع تقييم أكثر حذرًا للمخاطر.
ومع ذلك، فإن حالة عدم اليقين السياسي في الولايات المتحدة أدت إلى ضغوط على قيمة الدولار، الذي انخفض بنسبة 10% مقابل العملات الرئيسية خلال العام الماضي، وذلك بالتزامن مع زيادة الرسوم الجمركية وتطبيق سياسات تجارية أخرى. كما أن عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا تتداول حاليًا عند حوالي 4.9%، وهو مستوى قريب مما وصلت إليه خلال الأزمة المالية العالمية.
وقد أظهرت صناديق التقاعد في شمال أوروبا شفافية أكبر من غيرها في التعبير عن تقييمها للمخاطر المرتبطة بالأصول الأمريكية. وأوضحت أليكتا أنها باعت معظم ممتلكاتها من السندات الأمريكية بسبب تزايد المخاطر المرتبطة بكل من السندات والدولار. في الوقت نفسه، أعلنت أكاديميكربنشن عن عزمها التخلص من ممتلكاتها بحلول نهاية الشهر، مشيرةً إلى المخاوف بشأن المالية العامة الأمريكية.
الذهب ملاذًا آمنًا
بالإضافة إلى ذلك، ساهمت حالة عدم اليقين السياسي في الولايات المتحدة في زيادة الإقبال على الأصول التي تعتبر ملاذًا آمنًا، مثل الذهب. وقد باعت شركة فولكسام، وهي واحدة من أكبر شركات التأمين في السويد، سندات الخزانة الأمريكية في عام 2024 كجزء من استراتيجية لتقليل المخاطر قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية. تنويع المحافظ الاستثمارية أصبح أولوية قصوى.
وفي هذا السياق، صرح جوناس ثولين، الرئيس التنفيذي للاستثمارات في صندوق التقاعد السويدي «آي بي3»، بأنه على الرغم من وجود الكثير من الحديث حول هذه القضية، إلا أنه يعتقد أنه من الأفضل الحفاظ على الهدوء في الوقت الحالي.
وفي الختام، تشير التطورات الأخيرة إلى تحول محتمل في استراتيجيات الاستثمار لدى صناديق التقاعد الكبرى في شمال أوروبا، مع التركيز بشكل أكبر على تقليل المخاطر المرتبطة بالأصول الأمريكية. من المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه في التطور خلال الأشهر المقبلة، خاصةً مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية. سيكون من المهم مراقبة تطورات السياسة الأمريكية، وأداء الدولار، ومستويات الديون الحكومية، وتقييم تأثيرها على قرارات الاستثمار المستقبلية.
