تتفاقم أزمة نقص المعادن الأرضية النادرة، مما يثير قلق موردي شركات الطيران وصناعة أشباه الموصلات في الولايات المتحدة. وقد بدأت بعض الشركات الصينية في تقييد إمداداتها لبعض العملاء الأمريكيين، وذلك قبل أسابيع من القمة المرتقبة بين الرئيسين الأمريكي والصيني في بكين. هذا النقص يهدد سلاسل التوريد الحيوية ويؤثر على قطاعات استراتيجية.
أظهرت بيانات حديثة تراجع أسهم شركات الطيران ومصنعي المحركات مثل بوينغ وإيرباص وجي إي إيروسبيس وآر تي إكس، في حين أن هذا الوضع قد يعزز من مكانة المنافسين. وتأتي هذه التطورات في ظل تزايد التوترات التجارية بين البلدين، وتأثيرها على الوصول إلى المواد الخام الأساسية.
قيود صينية تعمق الاختناقات في إمدادات المعادن الأرضية النادرة
تركز الأزمة الحالية على معادن مثل الإيتريوم والسكانديوم، وهما عنصران نادران من بين مجموعة تضم 17 معدناً أرضياً نادراً. تلعب هذه المعادن دوراً حاسماً في تطبيقات الدفاع والطيران وتكنولوجيا أشباه الموصلات، ومعظم إنتاجها العالمي يقع في الصين. على الرغم من أن بكين سمحت باستئناف بعض صادرات المعادن الأرضية النادرة منذ فرض القيود في أبريل، إلا أن الشحنات المتجهة إلى الولايات المتحدة لا تزال محدودة.
الإيتريوم: نقطة الضعف الأكبر
يُعد الإيتريوم من بين أكثر المعادن التي تثير القلق، حيث يُستخدم في الطلاءات الواقية للمحركات والتوربينات، مما يحميها من درجات الحرارة العالية. بدون هذه الطلاءات، لا يمكن تشغيل المحركات بكفاءة. ووفقًا لتقارير الصناعة، ارتفعت أسعار الإيتريوم بنسبة 60٪ منذ نوفمبر، وأصبحت حالياً أعلى بحوالي 69 مرة مما كانت عليه في العام الماضي.
بدأ بعض مصنعي الطلاءات في ترشيد الإمدادات، واضطر اثنان من الشركات الأمريكية التي تشتري الإيتريوم إلى تعليق الإنتاج مؤقتًا بسبب النقص. كما أن إحدى هذه الشركات بدأت في رفض طلبات العملاء الأصغر والطلبات الخارجية، مع إعطاء الأولوية لكبار العملاء، بما في ذلك بعض مصنعي المحركات. وذكرت مصادر أن شركة أخرى نفدت من المواد الخام وتوقفت عن بيع المنتجات التي تحتوي على أكسيد الإيتريوم.
السكانديوم وتأثيره على رقائق الجيل الخامس
بالإضافة إلى الإيتريوم، تواجه شركات أشباه الموصلات الأمريكية نقصاً في السكانديوم، مما يهدد إنتاج رقائق الجيل الخامس. ينتج عالمياً عشرات الأطنان فقط من السكانديوم سنوياً، لكنه ضروري في خلايا الوقود وسبائك الألومنيوم المستخدمة في صناعة الطيران، بالإضافة إلى عمليات معالجة وتغليف الرقائق المتقدمة.
يعتمد كبار مصنعي الرقائق في الولايات المتحدة على السكانديوم لإنتاج مكونات أساسية تدخل في معظم الهواتف الذكية التي تعمل بتقنية الجيل الخامس ومحطات القاعدة. وواجهت هذه الشركات تأخيرات في الحصول على تراخيص التصدير الجديدة من الصين في الأشهر الأخيرة، وتواصلت مع الحكومة الأمريكية لطلب المساعدة.
وتشير التقارير إلى أن الصين تطلب من المتقدمين بطلبات التراخيص الكشف عن المستخدمين النهائيين، مما يثير مخاوف من استهداف قطاع أشباه الموصلات بشكل خاص. وتفتقر الولايات المتحدة حالياً إلى أي إنتاج محلي من السكانديوم أو مصادر بديلة عاملة خارج الصين، مما يجعل المخزونات المتاحة محدودة وتكفي لأشهر قليلة فقط.
أكد مسؤول حكومي أمريكي أن بعض المصنعين يواجهون بالفعل “نقصاً” في المعادن الأرضية النادرة القادمة من الصين، على الرغم من أن النقص لم يؤثر بعد على إنتاج محركات الطائرات أو الرقائق بشكل كبير. وتظهر البيانات أن الصين صدّرت 17 طناً فقط من منتجات الإيتريوم إلى الولايات المتحدة خلال الأشهر الثمانية التي أعقبت فرض القيود، مقارنة بـ 333 طناً في الفترة السابقة.
تلتزم إدارة ترامب بضمان وصول الشركات الأمريكية إلى المعادن الحيوية، بما في ذلك التفاوض مع الصين ومراقبة الالتزام بالاتفاق بين ترامب وشي، بالإضافة إلى تطوير سلاسل توريد بديلة عند الضرورة. ومع ذلك، فإن تطوير هذه البدائل يتطلب استثمارات كبيرة ووقتًا طويلاً.
يؤكد خبراء الصناعة أن نقص الإيتريوم والسكانديوم يمثل مثالاً واضحاً على استخدام الصين لنفوذها في سوق المعادن النادرة. ويواجه مصنعو المحركات بالفعل صعوبات في تلبية طلب شركات الطيران على قطع الغيار، بالتوازي مع زيادة الإنتاج لدى بوينغ وإيرباص.
من المتوقع أن تكون هذه القيود على جدول أعمال لقاء ترامب وشي في بكين في مارس، حيث ستكون المناقشات حول الوصول إلى المعادن الأرضية النادرة ذات أهمية بالغة. سيراقب المراقبون عن كثب نتائج هذه القمة، وما إذا كانت ستؤدي إلى تخفيف القيود أو إيجاد حلول لضمان سلاسل توريد أكثر استقراراً.
