في عالم يزداد فيه الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية، يقضي الأفراد ساعات طويلة أمام الشاشات، مما يثير تساؤلات حول تأثير ذلك على صحتهم وحياتهم. تشير الإحصائيات إلى أن متوسط ​​وقت الشاشة اليومي للأمريكي يتجاوز 7 ساعات، بينما يصل لدى جيل زد إلى حوالي 9 ساعات، وهو ما يثير قلقاً متزايداً بشأن التداعيات الصحية المحتملة، مثل اضطرابات النوم وزيادة حالات قصر النظر. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الفوائد الاقتصادية الهائلة التي توفرها هذه التكنولوجيا، من التعليم عن بعد إلى التجارة الإلكترونية. يركز هذا المقال على **وقت الشاشة** المتزايد وتأثيره على المجتمع والاقتصاد.

تزايد وقت الشاشة وتأثيره على الصحة

أظهرت دراسة حديثة أجرتها شركة ماغنيت (Magnet) أن المواطن الأمريكي العادي يقضي حوالي 7 ساعات و4 دقائق يومياً أمام الشاشات، وهو رقم يتجاوز قليلاً المتوسط العالمي الذي يبلغ حوالي 6 ساعات و40 دقيقة. يمثل هذا زيادة ملحوظة مقارنة بالسنوات السابقة، حيث ارتفع وقت الشاشة اليومي بحوالي 50 دقيقة منذ عام 2013. هذا الارتفاع يثير مخاوف بشأن الصحة العامة، خاصة مع توصيات منظمة الصحة العالمية التي تحذر من قضاء أكثر من ساعة واحدة يومياً أمام الشاشات للأطفال الصغار.

وعلى مستوى الفئات العمرية، يبرز جيل زد كأكثر الفئات استخداماً للشاشات، حيث يقضي أفراد هذا الجيل ما يقارب 9 ساعات يومياً أمامها. تشير الدراسات أيضاً إلى أن أكثر من ثلث تلاميذ المدارس في بعض الدول العربية، الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و17 عاماً، يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً أمام الأجهزة الإلكترونية. هذه المعدلات تثير قلقاً بالغاً، خاصة وأن الإفراط في استخدام الشاشات يرتبط بمجموعة من المشكلات الصحية.

تأثيرات على الدماغ والنوم

تشير الأبحاث إلى أن الإفراط في استخدام الشاشات يمكن أن يؤثر سلباً على القدرات المعرفية والتركيز، خاصة لدى الأطفال. حذرت دراسات بريطانية من أن الأطفال في سن الثانية الذين يقضون حوالي 5 ساعات يومياً أمام الشاشات قد يواجهون صعوبات سلوكية وتأخراً لغوياً مقارنة بأقرانهم. بالنسبة للمراهقين والبالغين، يمكن أن يؤدي قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات إلى اضطرابات في النوم، حيث يعيق الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات إفراز هرمون الميلاتونين، مما يؤثر على جودة النوم.

صحة العين وقصر النظر

لا تقل المخاطر البصرية أهمية عن المخاطر المعرفية. هناك ارتباط واضح بين طول وقت الشاشة وزيادة معدلات قصر النظر. أكد تحليل حديث أن كل ساعة إضافية يومياً أمام الشاشات تزيد من احتمالية الإصابة بقصر النظر بنحو 21%. يتوقع خبراء العيون أن يصاب حوالي نصف سكان العالم بقصر النظر بحلول عام 2050 بسبب هذه الاتجاهات. في بعض الدول العربية التي تشهد استهلاكاً رقمياً مرتفعاً، قد يستخدم 97% من السكان الهواتف الذكية، مما يزيد من احتمالية تفاقم هذه المشكلة.

التكلفة الاقتصادية لزيادة وقت الشاشة

من الناحية الاقتصادية، لا يمكن تجاهل التكلفة الخفية لزيادة **وقت الشاشة**. قدّر تقرير صادر عن ديلويت أن تكلفة المشكلات الصحية والإنتاجية الناتجة عن الاستخدام المفرط للشاشات في الولايات المتحدة تجاوزت 151 مليار دولار سنوياً حتى عام 2023. يعكس هذا خسائر كبيرة في إنتاجية العاملين ونفقات صحية إضافية. ومع ذلك، أظهر التقرير أن بعض الحلول البسيطة، مثل الفحوصات البصرية الدورية للموظفين، يمكن أن تقلل من هذه التكاليف بشكل كبير.

التوازن بين الفوائد والمخاطر: تنظيم وقت الشاشة

مع ازدياد **وقت الشاشة** عالمياً، تتصاعد الدعوات إلى إيجاد توازن بين الفوائد الاقتصادية والمخاطر الصحية. يثير النقاش حول تقييد استخدام الشاشات أسئلة مهمة حول تأثير ذلك على قطاعات مثل التعليم الإلكتروني والتجارة الإلكترونية. فمثلاً، يتوقع أن يصل حجم الاقتصاد الرقمي في السعودية إلى 87 مليار دولار بحلول عام 2025، وهو رقم قد يتأثر سلباً في حالة فرض قيود صارمة. بدلاً من الحظر الكلي، يبدو أن التنظيم المدروس وتعزيز الوعي بأهمية الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا هما الحل الأمثل.

تتضمن الحلول المقترحة برامج تعليمية في المدارس لتعزيز الوعي بفوائد الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا، بالإضافة إلى تشجيع العائلات على تخصيص فترات خالية من الأجهزة قبل النوم. وقد أظهرت بعض المدارس التي منعت استخدام الهواتف أثناء الدوام تحسناً طفيفاً في تركيز الطلاب، على الرغم من بعض التحفظات من قبل أولياء الأمور.

في الختام، يظل تحقيق التوازن بين الفوائد الاقتصادية للتكنولوجيا والمخاطر الصحية المرتبطة بزيادة **وقت الشاشة** تحدياً كبيراً. من المتوقع أن تشهد الحكومات والمنظمات الصحية مزيداً من الضغط لسن قوانين ولوائح تنظم استخدام الشاشات، خاصة بين الأطفال والمراهقين. ما يجب مراقبته في المستقبل القريب هو فعالية هذه الإجراءات وقدرتها على تحقيق النتائج المرجوة دون إعاقة النمو الاقتصادي الرقمي.

شاركها.