نجا رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو من تصويتي حجب ثقة يوم الجمعة، بعد استخدامه صلاحيات دستورية لتمرير جزء من ميزانية الدولة لعام 2026 دون تصويت برلماني. يأتي هذا الإجراء في ظل تصاعد التوترات السياسية وتحديات تواجه الحكومة الفرنسية في إقرار الميزانية، مما يثير تساؤلات حول استقرارها وقدرتها على الحكم. ويعتبر هذا الانتصار رمزياً للحكومة، لكنه يمهد الطريق لمزيد من المواجهات المحتملة في المستقبل القريب.
حدثت هذه التطورات في الجمعية الوطنية الفرنسية، حيث استخدم لوكورنو المادة 49.3 من الدستور الفرنسي لتجاوز التصويت على بعض بنود الميزانية. وقد أثار هذا القرار غضب المعارضة، التي اتهمت الحكومة بتجاهل العملية الديمقراطية. يأتي استخدام هذه الصلاحية الدستورية بعد تقديم الحكومة تنازلات للطبقة الاشتراكية، مما أدى إلى دعمهم للحكومة وتجنب تصويت حجب الثقة الذي تقدمت به قوى المعارضة.
تحديات إقرار الميزانية الفرنسية
يأتي استخدام السلطة الدستورية لتمرير الميزانية في وقت تواجه فيه الحكومة الفرنسية صعوبات في الحصول على دعم برلماني كافٍ لإقرار خططها الاقتصادية. وقد وعد لوكورنو في السابق بالسعي للحصول على موافقة البرلمان لتجنب مصير أسلافه الذين أطيح بهم بسبب خلافات حول الميزانية. ومع ذلك، اضطر إلى اللجوء إلى هذه الصلاحية الدستورية، معرباً عن “درجة من الأسف” لهذا الإجراء.
ردود الفعل السياسية
أعربت زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، مارين لوبان، عن انتقادها الشديد لإجراء رئيس الوزراء، واصفة إياه بأنه “خيانة” ومطالبة باستقالته. وفي المقابل، دعت أحزاب يسارية مثل فرنسا الأبية والخضر والشيوعيون إلى عزل لوكورنو. بينما أظهر الاشتراكيون موقفاً أكثر تسامحاً، مشيرين إلى أن استخدام هذه السلطة كان “أقل الحلول سوءاً” وأن المسودة الأخيرة للميزانية تضمنت “تقدماً” من خلال تنازلات تهدف إلى دعم ذوي الدخل المنخفض وتوفير وجبات للطلاب.
ومع ذلك، حذر بعض النواب من أن هذه التنازلات لا تمثل بالضرورة تقدماً حقيقياً. ويرى مراقبون أن الانقسام داخل المعارضة ساهم في تمكن الحكومة من النجاة من تصويت حجب الثقة، لكنه لا يضمن لها النجاح في المستقبل.
الميزانية الفرنسية وتصويتات حجب الثقة القادمة
بعد النجاة من التصويت الأول، أعلن لوكورنو أنه سيقوم بتمرير جزء آخر من نفقات ميزانية 2026. وقد أثار هذا الإعلان رد فعل سريعاً من قوى المعارضة اليسارية، التي أعلنت عن تقديم تصويت حجب ثقة جديد. ومن المتوقع أن يتم فحص هذا التصويت يوم الثلاثاء القادم، مع توقعات برفضه أيضاً.
بالإضافة إلى ذلك، ستخضع الميزانية لمراجعة من قبل مجلس الشيوخ قبل العودة إلى الجمعية الوطنية لاعتمادها النهائي. ومن المرجح أن يضطر لوكورنو إلى استخدام صلاحياته الدستورية مرة أخرى لتمرير كامل مشروع القانون، مما قد يؤدي إلى المزيد من تصويتات حجب الثقة. ويعتبر هذا السيناريو مؤشراً على استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي في فرنسا.
تعتبر قضية الميزانية الفرنسية اختباراً حقيقياً للحكومة وقدرتها على تحقيق التوازن بين الالتزامات المالية والضغوط السياسية. كما أنها تسلط الضوء على التحديات التي تواجهها الحكومات في أوروبا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيداً من الجدل والنقاش حول الميزانية، مع احتمال تقديم المزيد من التعديلات والتنازلات. وسيكون من المهم مراقبة ردود فعل الأحزاب السياسية المختلفة، وكذلك التطورات الاقتصادية التي قد تؤثر على مسار الميزانية. يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الحكومة الفرنسية ستتمكن من إقرار الميزانية بنجاح وتجنب المزيد من الأزمات السياسية.
