أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم الثلاثاء، بالبيانات التي تشير إلى تباطؤ التضخم في الولايات المتحدة، معتبراً إياها “رائعة”. وفي الوقت نفسه، وجه انتقادات حادة لرئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، مطالباً إياه بخفض أسعار الفائدة “بشكل ملموس” لدعم الاقتصاد الأميركي. يأتي هذا في ظل استمرار الضغوط المعيشية وتأثير الرسوم الجمركية السابقة على الواردات.

التضخم في الولايات المتحدة: بيانات ديسمبر وتوقعات الفائدة

أظهرت بيانات حكومية أمريكية صدرت يوم الثلاثاء أن التضخم الاستهلاكي استقر خلال شهر ديسمبر، مسجلاً نمواً سنوياً بنسبة 2.7%، وهو نفس معدل نوفمبر. أعلنت وزارة العمل الأمريكية عن هذه الأرقام، التي جاءت متوافقة مع توقعات المحللين، لكنها تنهي عاماً شهد مخاوف متزايدة بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة.

على أساس شهري، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.3% في ديسمبر، وهي النسبة نفسها المسجلة في سبتمبر. يُذكر أن إغلاقاً حكومياً جزئياً قد أعاق جمع بعض البيانات في سبتمبر، مما أثر على المقارنة المباشرة.

تأثير الرسوم الجمركية على الأسعار

على الرغم من عدم تسجيل قفزات حادة في الأسعار في الأشهر الأخيرة من عام 2025، إلا أن التضخم شهد ارتفاعاً تدريجياً طوال العام. يعزى هذا جزئياً إلى موجات الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس ترامب على الواردات، والتي شملت معظم الشركاء التجاريين للولايات المتحدة. وقد وسعت الإدارة الأمريكية لاحقاً قائمة الإعفاءات لتشمل بعض المنتجات الزراعية الأساسية والسلع الأخرى.

أفادت الشركات بارتفاع في التكاليف، لكن العديد منها حاول امتصاص جزء من هذه الزيادات عن طريق زيادة المخزونات قبل تطبيق الرسوم الجديدة، وذلك لتجنب نقل التكاليف الإضافية بالكامل إلى المستهلكين.

استمرار الضغوط المعيشية

أظهر تقرير وزارة العمل أن قطاع الإسكان كان المساهم الأكبر في الارتفاع الشهري للتضخم في ديسمبر. وباستثناء أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، ارتفع التضخم الأساسي بنسبة 2.6% على أساس سنوي، وهو أقل من التوقعات التي أشارت إلى 2.8%.

في المقابل، ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 3.1% والطاقة بنسبة 2.3% مقارنة بالعام السابق. وذكرت الوزارة أن خمسة من أصل ست مجموعات رئيسية لأسعار الأغذية في متاجر البقالة سجلت زيادات في ديسمبر، مما يؤكد استمرار الضغوط على ميزانيات الأسر.

صرحت هيذر لونغ، كبيرة الاقتصاديين في “نافي فيدرال كريديت يونيون”، بأن “هناك إحباطاً كبيراً بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الغذاء والمرافق خلال العام الماضي، وهي تكاليف لا يمكن للأميركيين تجنبها”. وأضافت أن أسعار الكهرباء ارتفعت بنحو 7%، بينما قفزت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 11% خلال العام.

مستقبل أسعار الفائدة

لا يزال التضخم بعيداً عن هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% على المدى الطويل. ومع ذلك، يرى سام ستوفال من “سي إف آر إيه ريسيرش” أن استقرار التضخم يمنح البنك المركزي بعض المساحة لخفض أسعار الفائدة في الأشهر المقبلة، على الرغم من أن هذا الإجراء من غير المرجح أن يحدث في اجتماع يناير القادم.

يواجه الاحتياطي الفيدرالي مهمة مزدوجة تتمثل في الحفاظ على استقرار الأسعار وتحقيق أقصى قدر من التوظيف. قد يجعل أي ارتفاع جديد في التضخم خفض أسعار الفائدة أكثر صعوبة، خاصة في ظل أي تباطؤ في سوق العمل.

من جهته، أشار مايكل بيرس، كبير الاقتصاديين الأميركيين في “أكسفورد إيكونوميكس”، إلى أنه “مع تراجع مخاوف التضخم، سيشعر المسؤولون بحرية أكبر للاستجابة لمخاطر التباطؤ في سوق العمل إذا ساءت الأوضاع”. ويتوقع بيرس أن يفضل صناع السياسة “الاستمرار في التوقف المؤقت لفترة أطول، لتقييم تأثير سلسلة خفض الفائدة الأخيرة”.

يرجح غريغوري داكو، كبير الاقتصاديين في “إي واي-بارثينون”، أن ينتظر الاحتياطي الفيدرالي حتى يونيو على الأقل قبل استئناف خفض أسعار الفائدة، محذراً من أن “تحقيقاً كبيراً تجريه وزارة العدل يتعلق بالاحتياطي الفيدرالي ورئيسه جيروم باول قد يزيد من حالة عدم اليقين بشأن مسار السياسة النقدية”.

تأتي هذه التصريحات في وقت تترقب فيه الأسواق مسار السياسة النقدية الأمريكية، بعد صدور بيانات حديثة أظهرت تباطؤ الضغوط التضخمية مقارنة بالسنوات الماضية، مما عزز توقعات المستثمرين ببدء دورة خفض للفائدة في المستقبل القريب.

من المتوقع أن يراقب الاحتياطي الفيدرالي عن كثب بيانات التوظيف القادمة ومؤشرات التضخم الأخرى قبل اتخاذ أي قرار بشأن أسعار الفائدة. كما أن التطورات السياسية، بما في ذلك نتائج التحقيق الجاري، قد تؤثر على قرارات البنك المركزي.

شاركها.