شهد النشاط الصناعي في فرنسا تسارعاً ملحوظاً في شهر ديسمبر، مسجلاً أسرع وتيرة نمو له منذ ثلاث سنوات ونصف، وذلك بفضل الطلب القوي على الصادرات، خاصةً في قطاع الطيران. ووفقاً لمسح تجاري أجرته شركة إس آند بي غلوبال، فإن هذا التحسن يأتي رغم التحديات الاقتصادية والسياسية المستمرة التي تواجهها البلاد. يشير هذا التطور إلى مرونة القطاع الصناعي الفرنسي وقدرته على التكيف مع الظروف المتغيرة.

أظهر المؤشر الشهري لمديري المشتريات الصناعي الفرنسي (PMI) صعوداً إلى 50.7 نقطة في ديسمبر، مقارنة بـ 47.8 نقطة في نوفمبر السابق له. ويمثل هذا التجاوز مستوى 50 نقطة هاماً، الذي يفصل بين النمو والانكماش في القطاع. ويعتبر هذا المسح مؤشراً رئيسياً على أداء الصناعات التحويلية في فرنسا، حيث يقدم بيانات حول الإنتاج والطلبات والتوظيف ومخزون المشتريات.

تحسن مفاجئ في النشاط الصناعي

يعزى هذا التحسن الملحوظ في النشاط الصناعي بشكل رئيسي إلى زيادة ملحوظة في الطلب على الصادرات. وذكرت إس آند بي غلوبال أن الطلبات الجديدة على الصادرات ارتفعت بأسرع وتيرة لها منذ ما يقرب من أربع سنوات. وبرز قطاع الطيران كقوة دافعة رئيسية لهذا النمو، حيث تتزايد الطلبات الدولية على الطائرات والمكونات المتعلقة بها.

دور قطاع الطيران

تتوقع شركة سافران الفرنسية، المتخصصة في صناعة الطيران، أن تتضاعف إيراداتها السنوية من الهند، التي تعد حالياً أسرع سوق طيران نمواً على مستوى العالم. يعكس هذا التوقع التوسع الكبير في الطلب على خدمات الطيران في الهند، والذي يستفيد منه المصنعون الأوروبيون مثل سافران.

بالإضافة إلى قطاع الطيران، ساهمت بعض الصناعات الأخرى أيضاً في هذا التحسن، مثل صناعة السلع الاستهلاكية المعمرة والمنتجات الوسيطة. ومع ذلك، لا يزال أداء القطاع الصناعي متفاوتًا، حيث تواجه بعض الشركات صعوبات في الحصول على المواد الخام وارتفاع تكاليف الطاقة.

تحديات سياسية واقتصادية مستمرة

على الرغم من التحسن الأخير، لا يزال هناك العديد من التحديات التي تواجه القطاع الصناعي الفرنسي. وحذرت إس آند بي غلوبال من أن حالة عدم اليقين السياسي المستمرة بشأن الميزانية الفرنسية قد تؤثر سلبًا على النشاط التجاري في عام 2026. قد يؤدي عدم الاستقرار السياسي إلى تأخير الاستثمارات وتقليل الإنفاق الاستهلاكي، مما يعيق النمو الاقتصادي.

علاوة على ذلك، لا يزال التضخم يشكل ضغطاً على الشركات والأسر في فرنسا. على الرغم من تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار في الأشهر الأخيرة، إلا أن التضخم لا يزال أعلى من المعدل المستهدف من قبل البنك المركزي الأوروبي. يؤدي ارتفاع التضخم إلى انخفاض القوة الشرائية وزيادة تكاليف الإنتاج، مما يضر بالربحية.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه الظروف تتطلب استقراراً سياسياً واضحاً وسياسات اقتصادية داعمة لتعزيز النمو المستدام. ويشير جوناس فيلدهوزن، الاقتصادي في بنك هامبورغ التجاري، إلى أن التحسن في ديسمبر يمثل “خطوة في الاتجاه الصحيح”، لكنه لا يلغي “التحديات الهيكلية خلال السنوات الأخيرة”.

كما أشار فيلدهوزن إلى أن “عدم الاستقرار السياسي المستمر وما ينتج عنه من عدم اليقين بين الشركات والأسر من أبرز العوامل المعيقة للآفاق المستقبلية”. وتشير التحليلات إلى أهمية معالجة هذه المخاوف لضمان استمرار التعافي الاقتصادي.

الوضع الاقتصادي العالمي والتقلبات في أسعار الطاقة تشكل أيضاً ضغوطاً إضافية على القطاع الصناعي الفرنسي. وتعتمد فرنسا بشكل كبير على استيراد الطاقة، مما يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار في الأسواق الدولية.

آفاق مستقبلية

من المتوقع أن يستمر القطاع الصناعي الفرنسي في مواجهة تحديات متعددة في الأشهر المقبلة. ستراقب الشركات عن كثب التطورات السياسية والاقتصادية، وتقيّم تأثيرها على أعمالها. كما ستشهد البلاد المزيد من المناقشات حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية في سياق الاستعدادات للانتخابات القادمة.

سيتم نشر بيانات مؤشر مديري المشتريات الصناعي الفرنسي لشهر يناير في أوائل فبراير، مما سيوفر لمحة إضافية عن مدى استمرار زخم النمو. وسيتابع المراقبون عن كثب أداء قطاع الطيران وتأثيره على القطاع الصناعي بشكل عام. بالإضافة إلى ذلك، ستكون التطورات المتعلقة بالميزانية الفرنسية والسياسات الحكومية ذات أهمية بالغة.

في الختام، على الرغم من التحسن الأخير في النشاط الاقتصادي، فإن مستقبل القطاع الصناعي الفرنسي لا يزال غير مؤكد. يتطلب تحقيق نمو مستدام معالجة التحديات السياسية والاقتصادية، وتعزيز الابتكار، والاستثمار في القطاعات الرئيسية مثل الطيران.

شاركها.