يسود قلق متزايد في الأوساط الزراعية الأمريكية، حيث يواجه المزارعون الأمريكيون تحديات كبيرة تتمثل في انخفاض أسعار المحاصيل وارتفاع تكاليف التشغيل. هذا الوضع يهدد استقرار القطاع الزراعي ويؤثر على سبل عيش العديد من الأسر الريفية. بدأت بعض البنوك في تقليص التمويل المتاح للمزارعين، في وقت يشتدون فيه الحاجة إلى السيولة النقدية، بينما تشهد المجتمعات الريفية فقدانًا للوظائف بسبب إغلاق مصانع معالجة اللحوم وتقليص شركات تصنيع المعدات الزراعية لعملياتها.
تفاقمت الضغوط على القطاع الزراعي الأمريكي في الأشهر الأخيرة، مع تراكم الجرارات غير المباعة في ساحات الوكلاء وإعلان الشركات الزراعية عن تراجع في أرباحها. يعزى هذا التراجع بشكل كبير إلى وفرة المعروض من الحبوب، مما أدى إلى ضغط هائل على الأسواق وخفض الأسعار.
تحديات تواجه المزارعين الأمريكيين
منذ ثلاث سنوات، يعاني المزارعون الأمريكيون من ضعف أسعار المحاصيل بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الإنتاج. تشير التوقعات إلى أن هذا العام لن يشهد تحسنًا ملحوظًا في الأوضاع، وفقًا لمنتجي المحاصيل والخبراء الاقتصاديين الزراعيين والمنظمات المهنية المعنية. أظهرت أحدث البيانات الحكومية إنتاجًا أعلى من المتوقع، مع وصول مخزونات الذرة في ديسمبر إلى مستويات قياسية، وهو ما قد يكون مؤشرًا على استمرار انخفاض الأسعار وتدهور ربحية المزارع.
صرح شيرمان نيولين، وهو مزارع ومحلل أسواق لدى “ريسك مانجمنت كوموديتيز”: “يتحدث المزارعون عن شعورهم باليأس وعدم معرفة كيفية التعامل مع الوضع. هناك بنوك ترفض منح قروض جديدة، ومزارعون يجدون صعوبة في سداد القروض القائمة. الوضع هنا محبط للغاية.”
تأثير الرسوم الجمركية
أدى الإنتاج الضخم من الذرة وفول الصويا في الخريف الماضي إلى زيادة المعروض العالمي من هذه الحبوب. بالإضافة إلى ذلك، تكبد مزارعو فول الصويا خسائر بمليارات الدولارات بسبب انخفاض المبيعات إلى الصين، أكبر مستورد لفول الصويا في العالم.
ولجأت شركات الأعلاف الحيوانية الصينية إلى موردين من أمريكا الجنوبية لتجنب الرسوم الجمركية التي فرضتها بكين على الواردات الأمريكية، ردًا على الرسوم التي فرضتها إدارة ترامب.
على الرغم من ترحيب المزارعين بحزمة المساعدات الأخيرة التي تبلغ قيمتها 12 مليار دولار، إلا أن العديد من المنتجين والاقتصاديين يرون أن هذه الأموال غير كافية لتعويض الأضرار الناجمة عن انخفاض الأسعار وفقدان فرص التصدير.
ارتفاع تكاليف الإنتاج
من المتوقع أن تظل تكاليف الإنتاج، وخاصة الأسمدة، مرتفعة لعام آخر، مما يثقل كاهل المزارعين بمدفوعات كبيرة. بالإضافة إلى ذلك، يواجه المزارعون صعوبات متزايدة في الحصول على الائتمان، مما يعيق قدرتهم على شراء المستلزمات الزراعية وتمويل زراعة محاصيل الربيع.
أكد سكوت ميتزغر، رئيس جمعية فول الصويا الأمريكية، أن “تكاليف الإنتاج ستكون باهظة للغاية هذا العام، وأن تكلفة زراعة المحاصيل قد ارتفعت بشكل ملحوظ.”
الوضع المالي للمزارعين الأمريكيين
تتوقع وزارة الزراعة الأمريكية ارتفاع إجمالي تكاليف إنتاج الذرة بنسبة 3٪ في عام 2026 مقارنة بعام 2025، وزيادة تكاليف فول الصويا بنسبة 3.1٪. في المقابل، تشير التقديرات إلى أن متوسط أسعار الذرة المسوقة هذا العام سيبلغ 4.10 دولار للبوشل، وفول الصويا 10.20 دولار للبوشل، وكلاهما أقل من مستويات عام 2023.
وبحسب تحليل لبيانات الوزارة، يحتاج المزارعون إلى أسعار 5.03 دولار للبوشل للذرة و12.80 دولار للبوشل لفول الصويا لتحقيق نقطة التعادل.
أشار تشاد هارت، خبير الاقتصاد الزراعي بجامعة ولاية آيوا، إلى أنه “لا يوجد محصول واحد يمكن اعتباره فرصة مربحة في الوقت الحالي. جميع المحاصيل تعمل بخسارة.”
تزايد حذر المقرضين، حيث أعلنت “كو بنك”، إحدى أكبر المؤسسات المالية الزراعية في أمريكا، عن تدهور جودة الائتمان في محفظتها في الربع الثالث من العام، بسبب ضعف أسعار السلع وارتفاع تكاليف المدخلات. وقد خصصت الشركة 129 مليون دولار لخسائر ائتمانية محتملة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، مقارنة بـ 6 ملايين دولار في العام السابق.
لا يزال الحجم الكامل للضغوط المالية غير واضح، ويرجع ذلك جزئيًا إلى الإغلاق الحكومي الذي استمر 43 يومًا في العام الماضي، مما أدى إلى تأخير نشر البيانات الفيدرالية الهامة المتعلقة بدخل المزارعين وديونهم وميزانياتهم.
ومع ذلك، فإن الوقت ينفد بالنسبة للعديد من المزارعين، وخاصة مزارعي المحاصيل النقدية. أظهرت سجلات المحاكم الأمريكية أن 293 مزارعًا أو عملية زراعية تقدمت بطلبات إفلاس بموجب الفصل 12 خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، بزيادة تقارب 36٪ عن إجمالي عام 2024.
على الرغم من أن الإفلاس يعتبر مؤشرًا متأخرًا للضغوط المالية، وأن الحالات تمثل نسبة صغيرة من إجمالي عدد المزارعين، إلا أن الفصل 12 – المصمم لمساعدة المزارعين على إعادة هيكلة ديونهم والبقاء في مجال الزراعة – يشهد الآن المزيد من عمليات التصفية، وفقًا لمحامي الإفلاس الزراعي جو فايفر. مع انخفاض الأسعار وارتفاع التكاليف، لا يجد بعض المزارعين سبيلًا للبقاء.
في سوق المعدات الزراعية، انخفضت مبيعات الجرارات في العام الماضي بنحو 10٪، بينما هوت مبيعات الحصادات بأكثر من 35٪، وفقًا لرابطة مصنعي المعدات. يلجأ العديد من المزارعين إلى إطالة عمر المعدات القديمة لتوفير النفقات.
وجد تيري غريفن، أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة كانساس ستيت، أن عدد حرائق الحصادات في ولاية كانساس قد ارتفع مع تراجع دخل المزارعين.
وقال: “الأمر يشبه امتلاك سيارة قديمة دون القدرة على صيانتها. تحتاج إلى المال للحفاظ على معداتك في حالة جيدة.”
بالإضافة إلى ذلك، يشهد القطاع الزراعي فقدانًا للوظائف في مصانع معالجة اللحوم وشركات تصنيع المعدات الزراعية. قامت شركة “ديري آند كو” بتسريح أكثر من 2000 موظف في ثمانية مصانع أمريكية منذ عام 2023. أعلنت شركة AGCO في منتصف عام 2024 عن خطط لخفض حوالي 6٪ من قوتها العاملة (التي بلغت 24 ألفًا في نهاية عام 2024). كما أعلنت CNH عن تسريحات بمئات الوظائف في ولايات مينيسوتا ونورث داكوتا وويسكونسن في العام الماضي، مشيرة إلى ضعف الطلب وارتفاع تكاليف المواد.
من المتوقع أن يستمر الوضع المالي الصعب للمزارعين الأمريكيين في التدهور في الأشهر المقبلة، ما لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة مشكلة انخفاض الأسعار وارتفاع التكاليف. يتعين على صانعي السياسات النظر في حلول طويلة الأجل، مثل وضع رؤية واضحة لسياسات الوقود الحيوي وتوسيع نطاق الصادرات الزراعية.
