تقيّم وكالات التصنيف العالمية مثل ستاندرد آند بورز وموديز وفيتش الجدارة الائتمانية للدول باستخدام نظام درجات معقد، بهدف تحديد قدرتها على سداد الديون. هذه التصنيفات، التي تتراوح بين Aaa (الأعلى) و C (الأدنى)، تؤثر بشكل كبير على تكلفة الاقتراض للدول وتعتبر مؤشراً حيوياً لصحة الاقتصاد العالمي. تعتمد هذه الوكالات على مجموعة واسعة من المؤشرات الاقتصادية والمالية، بما في ذلك النمو الاقتصادي، ومستويات الدين العام، والاستقرار السياسي، والاحتياطيات الأجنبية، ومعدلات التضخم.
تُظهر أحدث تقارير التصنيف الائتماني تباينات كبيرة بين الدول، حيث تحتل مجموعة من الاقتصادات المتقدمة مراكز الصدارة بينما تواجه دول أخرى تحديات مالية كبيرة. هذا التفاوت يعكس واقعاً اقتصادياً عالمياً معقداً يتأثر بعوامل متعددة، بما في ذلك الأزمات الجيوسياسية والسياسات المالية للحكومات.
الدول صاحبة أفضل التصنيفات الائتمانية
تتصدر دول مثل أستراليا وكندا والدنمارك وألمانيا قائمة الدول ذات التصنيفات الائتمانية الأعلى، حيث تحافظ على تصنيف Aaa من وكالة موديز. يعزى هذا الأداء القوي إلى مؤسسات سياسية وقانونية مستقرة، واقتصادات متنوعة، وإدارة مالية حذرة.
تتمتع أستراليا بمؤسسات قوية وبيئة أعمال جاذبة للمستثمرين. بينما تعتمد كندا على قطاعات رئيسية مثل الطاقة والخدمات المصرفية. أما الدنمارك، فتتميز باقتصاد تنافسي ومستويات دين منخفضة. وتعتبر ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، مثالاً على الاستقرار المالي.
إضافة إلى ذلك، تحتل دول أصغر حجماً مثل ليختنشتاين ولوكسمبورغ وهولندا وسويسرا والنرويج والسويد وسنغافورة تصنيفات عالية. تتميز هذه الدول بأسس مالية متينة، وإدارة مالية حذرة، واقتصادات متطورة ومستقرة. كما أن الاتحاد الأوروبي نفسه يحصل على تصنيف مرتفع بفضل قدرته على الوفاء بالتزاماته المالية المشتركة.
تراجع تصنيف الولايات المتحدة
في تطور ملفت، خفضت وكالة موديز تصنيف الولايات المتحدة من Aaa إلى Aa1 في مايو 2025. يعود هذا القرار إلى الارتفاع الكبير في الدين الفيدرالي الأمريكي، الذي تجاوز 120% من الناتج المحلي الإجمالي، مما أثار مخاوف بشأن الاستدامة المالية طويلة الأجل لأكبر اقتصاد في العالم. ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة من الاقتصادات ذات المخاطر المنخفضة نسبياً بفضل حجم اقتصادها وقوة مؤسساتها المالية.
تحديات الجدارة الائتمانية في الدول الناشئة
على الجانب الآخر، تواجه العديد من الدول الناشئة تحديات مالية كبيرة أدت إلى تدهور تصنيفاتها الائتمانية. تشمل هذه الدول لبنان وفنزويلا وبيلاروسيا وأوكرانيا وغانا وسريلانكا.
يعتبر لبنان من أبرز الحالات، حيث يحمل تصنيفاً منخفضاً جداً (C) نتيجة الأزمة المالية العميقة التي تشهدها البلاد. أدت هذه الأزمة إلى تضخم مرتفع وتراجع قيمة العملة وارتفاع الدين العام. في فبراير 2026، قامت وكالة ستاندرد آند بورز برفع تصنيفها للبنان بالعملة المحلية إلى «CCC+» لكنه لا يزال ضمن نطاق المضاربة.
بالمثل، شهدت فنزويلا انكماشاً اقتصادياً حاداً أدى إلى تدهور تصنيفها الائتماني. كما تواجه بيلاروسيا ضغوطاً مالية نتيجة العقوبات الدولية. في المقابل، شهدت أوكرانيا تحسناً طفيفاً في تصنيفها بعد إعادة هيكلة ديونها في مطلع عام 2026.
في أمريكا اللاتينية وإفريقيا، تواجه دول مثل الأرجنتين والإكوادور والنيجر ومالي ولاوس وإثيوبيا تحديات مماثلة تتعلق بالفقر وعدم المساواة والاضطرابات الاجتماعية وارتفاع الدين العام وتراجع السيولة.
تعتبر الجدارة الائتمانية أداة حيوية لتحديد تكلفة الاقتراض للدول، حيث ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالثقة في الاقتصاد والاستقرار السياسي.
من المتوقع أن تستمر وكالات التصنيف في مراقبة الأوضاع الاقتصادية والمالية للدول عن كثب، وإصدار تقارير دورية حول تصنيفاتها الائتمانية. سيكون من المهم متابعة التطورات الجيوسياسية والسياسات المالية للحكومات، حيث يمكن أن تؤثر هذه العوامل بشكل كبير على التصنيفات الائتمانية في المستقبل. كما يجب مراقبة تطورات إعادة هيكلة الديون في الدول التي تواجه صعوبات مالية، حيث يمكن أن تؤدي هذه العمليات إلى تحسين تصنيفاتها الائتمانية.
