أثار موضوع التبغ، وتحديداً ارتفاع أسعار منتجاته وتأثيره على الصحة العامة، جدلاً واسعاً في الآونة الأخيرة. تشهد العديد من الدول العربية نقاشات حول سياسات مكافحة التدخين وزيادة الضرائب على منتجات التبغ، وذلك بهدف تقليل استهلاكها وحماية الصحة العامة. وقد تصاعدت هذه النقاشات مع صدور تقارير جديدة حول الأضرار الصحية للتدخين بأنواعه المختلفة، بما في ذلك السجائر الإلكترونية.

بدأت هذه التطورات تتكشف خلال الأشهر القليلة الماضية، مع إعلان بعض الحكومات عن خطط لزيادة الضرائب على التبغ، بينما أطلقت منظمات الصحة حملات توعية حول مخاطر التدخين. وتتركز هذه الجهود بشكل خاص في دول مثل المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة، حيث يشكل التدخين مشكلة صحية واقتصادية كبيرة. وتستهدف هذه الإجراءات أيضاً مكافحة تهريب التبغ غير القانوني.

أضرار التبغ وتأثيره على الصحة العامة

يعتبر التبغ من المواد الضارة جداً بالصحة، حيث يحتوي على أكثر من 7000 مادة كيميائية، العديد منها مسرطن. وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يتسبب التدخين في أكثر من 8 ملايين حالة وفاة سنوياً على مستوى العالم. تشمل الأمراض المرتبطة بالتدخين أمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطان بأنواعه المختلفة، وأمراض الجهاز التنفسي.

أنواع التبغ وأضرارها

لا يقتصر ضرر التبغ على السجائر التقليدية، بل يمتد ليشمل أنواعاً أخرى مثل المعسل، والشيشة، والسجائر الإلكترونية. تشير الدراسات إلى أن الشيشة، على سبيل المثال، قد تكون أكثر ضرراً من السجائر التقليدية بسبب كمية الدخان الأكبر التي يستنشقها المدخن في كل جلسة. أما السجائر الإلكترونية، فقد أثارت جدلاً واسعاً حول مدى سلامتها، حيث تشير بعض التقارير إلى أنها قد تحتوي على مواد كيميائية ضارة وتسبب الإدمان.

التدخين السلبي

لا يقتصر ضرر التبغ على المدخنين أنفسهم، بل يمتد ليشمل غير المدخنين الذين يتعرضون للتدخين السلبي. يُعرّف التدخين السلبي بأنه استنشاق الدخان المنبعث من سجائر أو غيرها من منتجات التبغ التي يدخنها الآخرون. يمكن أن يسبب التدخين السلبي العديد من المشاكل الصحية، بما في ذلك أمراض القلب والجهاز التنفسي، وحتى السرطان.

سياسات مكافحة التبغ في الدول العربية

تتبنى العديد من الدول العربية سياسات مختلفة لمكافحة التبغ، بما في ذلك زيادة الضرائب على منتجات التبغ، وحظر الإعلان عن التبغ، وتطبيق قوانين صارمة بشأن التدخين في الأماكن العامة. تهدف هذه السياسات إلى تقليل استهلاك التبغ وحماية الصحة العامة. تعتبر المملكة العربية السعودية من الدول الرائدة في هذا المجال، حيث فرضت ضرائب عالية على التبغ وحظرت التدخين في العديد من الأماكن العامة.

بالإضافة إلى ذلك، تقوم بعض الدول بتنفيذ حملات توعية مكثفة حول مخاطر التدخين، وتقديم خدمات الإقلاع عن التدخين للمدخنين الراغبين في الإقلاع. وتشمل هذه الخدمات تقديم المشورة والدعم النفسي، وتوفير الأدوية المساعدة على الإقلاع عن التدخين. الصحة العامة هي المحور الرئيسي لهذه الجهود.

ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه جهود مكافحة التبغ في الدول العربية، بما في ذلك انتشار تهريب التبغ غير القانوني، وتأثير شركات التبغ على السياسات الصحية، واستمرار ارتفاع معدلات التدخين بين الشباب. مكافحة التهريب تعتبر عنصراً أساسياً في هذه المعركة.

التأثير الاقتصادي للتبغ

بالرغم من الأضرار الصحية الكبيرة التي يسببها التبغ، إلا أنه يمثل مصدراً للدخل للعديد من الدول. تجمع الحكومات ضرائب كبيرة من بيع منتجات التبغ، والتي تستخدم في تمويل الخدمات العامة. ومع ذلك، فإن التكاليف الصحية المرتبطة بالتدخين تفوق بكثير الإيرادات الضريبية التي تجنيها الحكومات. تشير التقديرات إلى أن التكاليف الصحية المرتبطة بالتدخين تصل إلى مليارات الدولارات سنوياً.

بالإضافة إلى ذلك، يؤدي التدخين إلى خسائر اقتصادية أخرى، مثل انخفاض الإنتاجية بسبب الأمراض المرتبطة بالتدخين، وزيادة تكاليف الرعاية الصحية. لذلك، يرى العديد من الخبراء أن التخلص من التبغ على المدى الطويل سيكون له تأثير إيجابي على الاقتصاد.

في المقابل، يجادل البعض بأن حظر التبغ بشكل كامل قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة، خاصة بالنسبة للعاملين في صناعة التبغ. ومع ذلك، فإن هذا الرأي يواجه انتقادات متزايدة، حيث يرى الكثيرون أن صحة الإنسان يجب أن تكون الأولوية القصوى.

تتجه العديد من الدول إلى تبني سياسات أكثر صرامة لمكافحة التبغ، بما في ذلك زيادة الضرائب على التبغ، وحظر الإعلان عن التبغ، وتوسيع نطاق الأماكن المحظور فيها التدخين. من المتوقع أن تستمر هذه الجهود في المستقبل، مع التركيز بشكل خاص على حماية الشباب من مخاطر التدخين. الوقاية من التدخين هي الهدف الأسمى.

من المقرر أن تجتمع لجنة الصحة في البرلمان العربي خلال الشهر القادم لمناقشة مقترحات جديدة لتعزيز سياسات مكافحة التبغ في المنطقة. وستركز المناقشات على سبل مكافحة تهريب التبغ، وتوسيع نطاق حملات التوعية، وتقديم الدعم للمدخنين الراغبين في الإقلاع. يبقى التحدي كبيراً، ويتطلب تضافر الجهود من جميع الأطراف المعنية لتحقيق التقدم المنشود.

شاركها.