شهدت العلاقات التجارية بين دول أمريكا الجنوبية وأوروبا تطوراً هاماً مع إحراز تقدم في مفاوضات اتفاقية ميركوسور (Mercosur) التجارية. بعد سنوات من التعثر، توصلت دول التكتل الإقليمي – الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وأوروغواي – والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق مبدئي بشأن النص الكامل للاتفاقية. من المتوقع أن تؤثر هذه الاتفاقية بشكل كبير على حجم التبادل التجاري والاستثمارات بين الجانبين.

تم الإعلان عن هذا التقدم في 28 يونيو 2024، خلال قمة أوروبية-أمريكية لاتينية في مدريد. تأتي هذه الخطوة بعد أكثر من عقدين من المفاوضات المتقطعة، والتي واجهت تحديات كبيرة بسبب الخلافات حول قضايا مثل الحماية البيئية، ومعايير العمل، والوصول إلى الأسواق الزراعية. تهدف الاتفاقية إلى إزالة الحواجز التجارية وتقليل الرسوم الجمركية على مجموعة واسعة من السلع والخدمات.

أهمية اتفاقية ميركوسور وتأثيرها على التجارة العالمية

تعتبر اتفاقية ميركوسور من بين أكبر الاتفاقيات التجارية التي تم التفاوض عليها على الإطلاق، حيث تمثل سوقاً تضم أكثر من 780 مليون مستهلك. وفقًا لبيانات وزارة التجارة البرازيلية، فإن الاتفاقية ستلغي الرسوم الجمركية على حوالي 90% من السلع المتداولة بين الطرفين على مدى 15 عامًا. هذا من شأنه أن يعزز بشكل كبير الصادرات من دول ميركوسور إلى أوروبا، وخاصة في قطاعات مثل الزراعة والمنتجات الصناعية.

التحديات التي واجهت المفاوضات

واجهت مفاوضات اتفاقية ميركوسور العديد من العقبات على مر السنين. أحد أبرز هذه التحديات كان الخلاف حول الوصول إلى الأسواق الزراعية، حيث كانت الدول الأوروبية تتردد في فتح أسواقها أمام المنتجات الزراعية من أمريكا الجنوبية. بالإضافة إلى ذلك، أثارت المخاوف البيئية ومعايير العمل جدلاً كبيراً، حيث طالبت الدول الأوروبية بضمانات بأن دول ميركوسور ستلتزم بمعايير بيئية واجتماعية عالية.

ومع ذلك، فقد تم التوصل إلى حلول وسط بشأن هذه القضايا، حيث وافقت دول ميركوسور على الالتزام بمعايير بيئية واجتماعية محددة، في حين وافق الاتحاد الأوروبي على منح وصول أكبر للمنتجات الزراعية من أمريكا الجنوبية. هذا التقدم يعكس رغبة الطرفين في تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية بينهما.

الفوائد المتوقعة من الاتفاقية

من المتوقع أن تحقق اتفاقية ميركوسور فوائد اقتصادية كبيرة لكلا الجانبين. بالنسبة لدول ميركوسور، ستوفر الاتفاقية فرصًا جديدة لزيادة الصادرات وتنويع الأسواق. بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن تجذب الاتفاقية المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى دول ميركوسور، مما سيساهم في تعزيز النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.

في المقابل، ستستفيد الشركات الأوروبية من الوصول إلى سوق أمريكا الجنوبية الواسعة، مما سيمكنها من توسيع نطاق أعمالها وزيادة أرباحها. بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن تؤدي الاتفاقية إلى خفض أسعار بعض السلع والخدمات للمستهلكين الأوروبيين. تعتبر هذه الاتفاقية جزءًا من استراتيجية الاتحاد الأوروبي لتنويع علاقاته التجارية وتقليل اعتماده على أسواق معينة.

بالإضافة إلى الجوانب الاقتصادية، من المتوقع أن تعزز اتفاقية ميركوسور التعاون السياسي بين دول أمريكا الجنوبية والاتحاد الأوروبي. هذا التعاون يمكن أن يساهم في حل المشاكل الإقليمية والعالمية، مثل تغير المناخ والأمن الغذائي.

في حين أن الاتفاقية تمثل خطوة مهمة إلى الأمام، إلا أن هناك بعض التحديات التي لا تزال قائمة. على سبيل المثال، يجب على البرلمان الأوروبي ودورات البرلمانات الوطنية في دول ميركوسور التصديق على الاتفاقية قبل أن تدخل حيز التنفيذ. هذه العملية قد تستغرق عدة أشهر أو حتى سنوات.

بالإضافة إلى ذلك، هناك مخاوف بشأن تأثير الاتفاقية على بعض القطاعات الاقتصادية، مثل الزراعة في أوروبا. قد تحتاج الحكومات إلى اتخاذ تدابير لحماية هذه القطاعات وضمان انتقال سلس. تعتبر المنافسة في قطاع الزراعة من القضايا الهامة التي يجب مراقبتها.

ومع ذلك، فإن التوقعات العامة إيجابية، حيث يرى العديد من الخبراء أن اتفاقية ميركوسور ستكون لها تأثير إيجابي على التجارة العالمية والاقتصاد العالمي.

الخطوة التالية المتوقعة هي بدء عملية التصديق على الاتفاقية من قبل البرلمان الأوروبي والبرلمانات الوطنية في دول ميركوسور. من المتوقع أن تستغرق هذه العملية ما بين 6 أشهر وسنتين. يجب مراقبة التطورات السياسية في كل من أوروبا وأمريكا الجنوبية، حيث يمكن أن تؤثر على مسار التصديق. كما يجب متابعة أي تحديات أو اعتراضات قد تظهر خلال هذه العملية.

شاركها.