وصل المستشار الألماني أولاف شولتس إلى الهند يوم الأحد في زيارة رسمية تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية، لا سيما في المجالات الاقتصادية والأمنية. وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية المتزايدة والبحث عن شراكات بديلة بعيدًا عن الاعتماد على قوى كبرى مثل الولايات المتحدة والصين. وتسعى ألمانيا إلى تنويع علاقاتها التجارية والاستثمارية مع الهند، التي تعد سوقًا واعدة ونموذجًا للديمقراطية الناشئة.
ألمانيا والهند: تعزيز الشراكة الاستراتيجية
تأتي زيارة شولتس قبل أسابيع قليلة من القمة الأوروبية الهندية المرتقبة، حيث يُتوقع أن يتم بحث اتفاقية تجارة حرة شاملة بين الجانبين. ولا تعتبر هذه الاتفاقية مجرد صفقة تجارية، بل هي شراكة استراتيجية تهدف إلى تلبية احتياجات الاقتصاد الحديث، وفقًا لوزارة التجارة الهندية.
جولة تشمل أحمد آباد وبنغالورو
يشمل برنامج الزيارة لقاءً مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في مدينة أحمد آباد بولاية غوجارات، بالإضافة إلى زيارة إلى مركز التكنولوجيا في بنغالورو. ومن المقرر أن يشارك المستشار الألماني في فعاليات ثقافية مثل مهرجان الطائرات الورقية التقليدي، وزيارة أشرم سابارماتي، وهو المكان الذي عاش فيه مهاتما غاندي لسنوات طويلة.
وتؤكد برلين على أهمية الهند كشريك استراتيجي رئيسي، حيث تعتبر أكبر دولة ديمقراطية في العالم. وتشير الحكومة الألمانية إلى أن اختيار الهند كأول وجهة آسيوية يعكس هذا التوجه بوضوح.
التعاون الأمني: صفقة محتملة لغواصات
على الصعيد الأمني، من المتوقع أن تشهد العلاقات الألمانية الهندية دفعة قوية من خلال صفقة محتملة لشركة تيسينكروب مارين سيستمز الألمانية لبناء ست غواصات للبحرية الهندية بالشراكة مع شركة مازاغون دوك الهندية. هذه الصفقة، التي لا تزال قيد التفاوض، ستتيح للهند تحديث أسطولها من الغواصات، الذي يعتمد بشكل كبير على تكنولوجيا روسية قديمة.
بالإضافة إلى ذلك، قد تتضمن الصفقة نقل تكنولوجيا متقدمة لدعم الصناعة الدفاعية الهندية المحلية، وهو ما يتماشى مع جهود نيودلهي لتعزيز الاكتفاء الذاتي في مجال الدفاع. وعلى الرغم من أنه من غير المرجح توقيع العقد خلال هذه الزيارة، إلا أن المباحثات من المتوقع أن تتقدم بشكل كبير.
فرص اقتصادية واعدة في الهند
يرافق المستشار شولتس وفد اقتصادي كبير يضم ممثلين عن شركات ألمانية كبرى مثل سيمنس وإيرباص، مما يعكس الاهتمام المتزايد بالهند كوجهة استثمارية. وتهدف هذه الزيارة بشكل أساسي إلى تعميق العلاقات الاقتصادية بين البلدين، خاصة وأن الهند تمثل سوقًا ضخمة تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة.
وتشهد الشركات الألمانية تراجعًا في مبيعاتها في الصين، بسبب المنافسة المتزايدة من الشركات الصينية والتوترات الجيوسياسية. وبالتالي، تعتبر الهند سوقًا بديلة واعدة للنمو، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري الثنائي بين ألمانيا والهند حوالي 50 مليار يورو، وفقًا لوكالة “ألمانيا للتجارة والاستثمار”.
أشباه الموصلات والطاقة الخضراء
بالإضافة إلى ذلك، تسعى الهند إلى تنويع مصادر إمداداتها من أشباه الموصلات والمعادن النادرة، في ظل القيود التي تفرضها بعض الدول. وتوفر ألمانيا فرصًا واعدة في مجال تكنولوجيا الطاقة الخضراء والصادرات الدفاعية، مما يتماشى مع جهود الهند لتعزيز الاستدامة وتقليل الاعتماد على مصادر خارجية محددة.
وتعتبر الزيارة ذات توقيت مثالي، خاصة مع اقتراب التوصل إلى اتفاقية تجارة حرة بين الاتحاد الأوروبي والهند. ومن المتوقع أن تشمل المباحثات أيضًا ملف استقطاب العمالة الماهرة، حيث تعاني ألمانيا من نقص في الأيدي العاملة، وتعتمد بشكل كبير على الكفاءات الهندية، خاصة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والرعاية الصحية. الجامعات الألمانية هي أيضًا وجهة مفضلة للطلاب الهنود.
من المنتظر أن تتناول المباحثات أيضًا جوانب تتعلق بقواعد تنقل العمال والطلاب، بالإضافة إلى التعاون في مجال البحث العلمي. وبشكل عام، من المتوقع أن تساهم هذه الزيارة في تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين ألمانيا والهند في مختلف المجالات. ستتركز الأنظار على مدى التقدم المحرز في مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة، وكيف سيتم التعامل مع القضايا الأمنية المتعلقة بصفقة الغواصات، وما إذا كانت ستؤدي هذه الزيارة إلى زيادة الاستثمارات الألمانية في الهند.
