تخيّل أن تكتب أغنية واحدة فقط، ثم لا تحتاج بعدها إلى العمل يوماً واحداً في حياتك. هذا ليس ضرباً من الخيال، بل واقعاً عاشه عدد من أبرز صناع الموسيقى في العالم، حيث تحولت أغاني قصيرة إلى أصول مالية طويلة الأجل، تدر ملايين الدولارات سنوياً عبر المبيعات، والبث، وإعادة الاستخدام في الأفلام والإعلانات. فالعديد من الأغاني لا تُقاس بقيمتها الفنية فحسب، بل بقدرتها على الاستمرار وتحقيق أرباح مستدامة.

تتجاوز قيمة الأغنية مجرد شعبيتها اللحظية، لتصبح استثماراً طويل الأمد يعتمد على عوامل مثل القدرة على الانتشار، وإعادة التدوير، وعبور الأجيال والثقافات المختلفة. وهذا ما يفسر استمرار بعض الأغاني التي كتبت قبل عقود في تحقيق إيرادات تفوق أعمالاً حديثة، مما يجعلها من الأصول القيّمة في صناعة الترفيه.

من أمريكا اللاتينية إلى القمة العالمية: قوة الأغاني في تحقيق الثروة

في عام 2017، حققت أغنية “ديسباسيتو” (Despacito) لويس فونسي ودادي يانكي، بالتعاون مع لويس رودريغيز ورامون أيالا وإريكا إندر، نجاحاً عالمياً غير مسبوق، لتصبح ثالث أكثر أغنية مبيعاً في التاريخ. وقد ساهمت نسخة جاستن بيبر المعدلة في زيادة مبيعاتها بشكل كبير، حيث ارتفعت إلى 24 مليون نسخة خلال عام واحد فقط.

يُظهر هذا المثال كيف يمكن لإعادة تقديم العمل الموسيقي أن تضاعف قيمته الاقتصادية، وتفتح له أبواباً جديدة نحو جمهور أوسع. فالتعاون بين فنانين مختلفين، أو استخدام الأغنية في سياقات جديدة، يمكن أن يمنحها حياة أطول ويزيد من أرباحها.

حين تُعيد المآسي كتابة تاريخ الأغنية وترفع من قيمتها

أغنية “شمعة في مهب الريح” (Candle in the Wind) لإلتون جون وبيرني توبين، التي كُتبت في الأصل تكريماً لمارلين مونرو، اكتسبت شهرة واسعة بعد وفاة الأميرة ديانا عام 1997. تحولت الأغنية إلى رثاء عالمي للأميرة، مما أدى إلى بيع أكثر من 33 مليون نسخة حول العالم.

على الرغم من أن القيمة المالية الدقيقة للأغنية لا تزال غير معلنة، إلا أنها تعتبر من أنجح الأغاني التجارية في التاريخ، وتُظهر كيف يمكن للأحداث المؤلمة أن تغير مسار الأغنية وتزيد من قيمتها العاطفية والتجارية.

الأغاني الحديثة تدخل نادي المليون: نماذج من النجاح الرقمي

أثبتت أغنية “Shape of You” لإد شيران، التي صدرت عام 2017، أن العصر الرقمي لا يمنع تحقيق أرقام قياسية في المبيعات. فقد باعت الأغنية 42 مليون نسخة، وفازت بجائزة غرامي، مما يؤكد أن منصات البث الرقمي لا تقلل من الربحية، بل تعيد تشكيلها وتوفر فرصاً جديدة لتحقيق الدخل.

تُعد هذه الأغنية نموذجاً للنجاح في العصر الحديث، حيث استطاعت الوصول إلى جمهور واسع من خلال منصات البث المختلفة، وتحقيق أرباح كبيرة من خلال الإعلانات والرعاية.

عائدات مستمرة لا تنضب: حقوق الملكية الفكرية كمصدر دخل دائم

تستمر أغنية “كل نفس تأخذه” (Every Breath You Take) لفرقة ذا بوليس، التي كتبها ستينغ، في تحقيق نحو 730 ألف دولار سنوياً. كما جنت نسخة شون كومبس من الأغنية وحدها 7 ملايين دولار، مما يعكس قوة حقوق الملكية الفكرية وأهمية إدارتها بذكاء.

تُظهر هذه الأرقام أن الأغنية الناجحة يمكن أن تتحول إلى مصدر دخل دائم لأصحاب الحقوق، حتى بعد مرور سنوات طويلة على إصدارها. فالإتاوات التي تُدفع مقابل استخدام الأغنية في الأفلام والإعلانات والحفلات الموسيقية يمكن أن تتراكم وتوفر دخلاً كبيراً.

الأغاني الخالدة: عندما تعود إلى الحياة من خلال السينما

أغنية “فقدت ذلك الإحساس” (Lost That Feeling) لباري مان، سينثيا وايل، وفيل سبيكتور، التي صدرت عام 1964، تُعد من أكثر الأغاني التي أُعيد تسجيلها في التاريخ، حيث تجاوز عدد النسخ 2200 نسخة. وقد عادت الأغنية إلى الواجهة في الثمانينيات بعد استخدامها في فيلم “توب غان” (Top Gun)، وحققت أرباحاً تُقدر بنحو 32 مليون دولار.

كما أن أغنية “قف إلى جانبي” (Stand by Me) عادت بقوة بعد فيلم حمل اسمها في الثمانينيات، وحققت نحو 27 مليون دولار. وفيلم “بريتي ومان” (Pretty Woman) ساهم في زيادة شعبية أغنية “أوه، امرأة جميلة” (Oh, Pretty Woman) إلى نحو 19.75 مليون دولار.

الكريسماس.. موسم الذهب الموسيقي: الأغاني التي لا تموت

تُعد أغنية “عيد أبيض” (White Christmas) لإيرفينغ برلين، التي أدّاها بينغ كروسبي، الأغنية الأكثر مبيعاً في التاريخ، بأكثر من 50 مليون نسخة لنسخة واحدة فقط. وقد تجاوزت مبيعاتها الإجمالية 100 مليون نسخة، بعائدات قُدرت بنحو 36 مليون دولار.

أما أغنية “عيد الميلاد السعيد” (Jingle Bells)، التي ألّفتها الأختان هيل في القرن التاسع عشر، فتدرّ حتى اليوم نحو 5 آلاف دولار يومياً، وحققت إجمالاً قرابة 50 مليون دولار. تُظهر هذه الأغاني أن بعض الأعمال الموسيقية يمكن أن تصبح جزءاً من الثقافة الشعبية، وتستمر في تحقيق أرباح كبيرة على مر السنين.

الأغنية كمصدر دخل عائلي طويل الأمد

تُعد أغنية “أمس” (Yesterday) لجون لينون وبول مكارتني من أكثر الأغاني بثاً في تاريخ الإذاعة، وحققت نحو 30 مليون دولار. تذهب عائدات هذه الأغنية إلى ورثة لينون، مما يوضح كيف يمكن للأغنية أن تتحول إلى مصدر دخل عائلي طويل الأمد.

كما أن أغنية “سأحبك دائماً” (I Will Always Love You) لدولي بارتون، والتي اشتهرت بصوت ويتني هيوستن، تُعد مثالاً على كيف يمكن للأغنية أن تعود إلى الحياة من خلال فنانين جدد، وتزيد من أرباح المؤلف الأصلي.

مستقبل الأغنية كأصل استثماري

الطلب المتزايد على المحتوى، وانتشار المنصات الرقمية، وعودة الأغاني الكلاسيكية في الإعلانات والأفلام، جعل من الموسيقى أصلاً استثمارياً حقيقياً. فالأغنية الناجحة لم تعد مجرد حدث فني عابر، بل تدفّقاً نقدياً طويل الأمد.

في اقتصاد اليوم، يمكن أن تكون الأغنية الناجحة أفضل استثمار طويل الأمد، بشرط أن تمتلك عناصر الخلود: بساطة، قابلية لإعادة التقديم، وحضوراً عاطفياً لا يشيخ. ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه في المستقبل، مع زيادة الاهتمام بحقوق الملكية الفكرية وأهمية الاستثمار في الأصول الإبداعية.

شاركها.